الفيض الكاشاني
111
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
من النار بإحراق نفسه وهو غاية الجهل وهذه مزلَّة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلَّى بحبله كلّ إنسان إلا من عرّفه اللَّه عيوب نفسه وفتح بصيرته بنور هدايته ، فإنّ في الاحتكام على الغير لذّة للنفس عظيمة من وجهين : أحدهما من جهة دالَّة العلم ، والآخر من جهة دالَّة الاحتكام والسلطنة وذلك يرجع إلى الرّياء وطلب الجاه وهو الشهوة الخفيّة المتداعية إلى الشرك الخفيّ وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن به المحتسب نفسه وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان بنفسه أو باحتساب غيره أحبّ إليه من امتناعه باحتسابه فإن كانت الحسبة شاقّة عليه ثقيلة على نفسه وهو يودّ أن يكفي بغيره فليحتسب فإنّ باعثه هو الدّين وإن كان اتّعاظ ذلك العاصي بوعظه وانزجاره بزجره أحبّ إليه من اتّعاظه بوعظ غيره فما هو إلا متّبع هوى نفسه ومتوسّل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة حسبته فليتّق اللَّه فيه وليحتسب أوّلا على نفسه وعند هذا يقال له : قيل لعيسى عليه السّلام : يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتّعظت فعظ غيرك وإلا فاستحي منّي . وقيل لداود الطائي : أرأيت رجلا دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقال : أخاف عليه السوط ، فقيل : إنّه يقوى عليه قال : أخاف عليه السيف قيل : إنّه يقوى عليه ، قال : أخاف عليه الدّاء الدّفين العجب . أقول : بل أخاف عليه نار جهنّم لمخالفته للَّه سبحانه حيث قال جلّ وعزّ : « ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ( 1 ) وقد مرّ تمام الكلام فيه . [ قال : ] * ( الباب الثالث ) * في المنكرات المألوفة في العادات نشير إلى جمل منها ليستدلّ بها على أمثالها إذ لا مطمع في حصرها واستقصائها . أقول : وقد ذكر أبو حامد في هذا الباب منكرات المساجد ثمّ منكرات
--> ( 1 ) البقرة : 195 .